صديق الحسيني القنوجي البخاري

72

فتح البيان في مقاصد القرآن

الجمهور . سلما بفتح السين واللام ، وقرىء بكسر السين وسكون اللام ، وقرأ ابن عباس ومجاهد والجحدري وابن كثير ويعقوب سالما اسم فاعل من سلم له فهو سالم ، واختارها أبو عبيد ، قال لأن السالم الخالص ضد المشترك والسلم ضد الحرب ، ولا موضع للحرب ههنا ، وأجيب عنه بأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا على أولا لهما ، فالسلم وإن كان ضد الحرب فله معنى آخر بمعنى سالم من سلم له كذا إذا خلص له ، وأيضا يلزمه في سالم ما ألزم به لأنه يقال شيء سالم أي لا عاهة به ، واختار أبو حاتم القراءة الأولى ، والحاصل أن قراءة الجمهور هي على الوصف بالمصدر للمبالغة أو على حذف مضاف ، أي ذا سلم ، ومثلها قراءة سعيد بن جبير ومن معه ، قال ابن عباس ، رجلا سلما أي ليس لأحد فيه شيء ، ثم جاء سبحانه بما يدل على التفاوت بين الرجلين فقال : هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا وهذا الاستفهام للإنكار والاستبعاد ، والمعنى هل يستوي هذا الذي يخدم جماعة شركاء ؟ أخلاقهم مختلفة ، ونياتهم متباينة ، يستخدمه كل واحد منهم فيتعب وينصب ، مع كون كل واحد منهم غير راض بخدمته ، وهذا الذي يخدم واحدا لا ينازعه غيره إذا أطاعه رضي عنه ، وإذا عصاه عفا عنه ؟ فإن بين هذين من الاختلاف الظاهر الواضح ما لا يقدر عاقل أن يتفوه باستوائهما لأن أحدهما في أعلى المنازل ، والآخر في أدناها ، وانتصاب مثلا على التمييز المحول عن الفاعل لأن الأصل هل يستوي مثلهما ؟ أي حالهما وصفتهما ؟ وأفرد التمييز ولم يثنه لأن الأصل في التمييز الإفراد لكونه مبنيا للجنس ، وقال السمين وأفرد التمييز لأنه مقتصر عليه أولا في قوله : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا وقرىء مثلين فطابق حالي الرجلين . وجملة الْحَمْدُ لِلَّهِ مقررة لما قبلها من نفي الاستواء بطريق الاعتراض وللإيذان للموحدين بما في توحيدهم للّه من النعمة العظيمة المستحقة لتخصيص الحمد به ، أي الحمد للّه على عدم استواء هذين الرجلين ، وقيل : الجملة اعتراضية فإن قوله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ إضراب انتقالي من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور إلى بيان أن أكثر الناس ، وهم المشركون ، فإنهم لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره ووضوحه ، فيقعون في ورطة الشرك والضلال . قال الواحدي والبغوي والمراد بالأكثر الكل ، والظاهر خلاف ما قالاه ، فإن المؤمنين باللّه يعلمون ما في التوحيد من رفعة شأنه ، وعلو مكانه ، وأن الشرك لا يماثله بوجه من الوجوه ، ولا يساويه في وصف من الأوصاف ، ويعلمون أن اللّه سبحانه يستحق الحمد على هذه النعمة ، وأن الحمد مختص به . ثم أخبر سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأن الموت يدركه ويدركهم لا محالة ، فقال :